الشيخ محمد رشيد رضا
361
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مبدأ الساعة العامة ، والمرحلة الأولى من مقدمات القيامة ، مفاجئة لهم من حيث لم يكونوا ينتظرونها ، ولا يحسبون حسابا ولا يعدون عدة لمجيئها ، قالوا : يا حسرتنا على تفريطنا ! هذا أو انك فاحضري ، وبرّحي بالأنفس ما شئت أن تبرحي ؛ والحسرة - كما قال الراغب - الغم على ما فات والندم عليه ، كأن المتحسر قد انحسر ( أي زال وانكشف ) عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت عنه قواه من فرط الغم ، أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه . ونداء الحسرة فسره سيبويه بالمعنى الذي بيناه آنفا ، وقال الزجاج : ان معنى حرف النداء تنبيه المخاطبين ، وقيل بل المراد به تنبيه المتكلم لنفسه ، وتذكيرها بسبب ما حل به . والتفريط التقصير ، ممن قدر على الجد والتشمير ، وهو من الفرط بمعنى السبق ومنه الفارط والفرط الذي يسبق المسافرين لإعداد الماء لهم . والتضعيف فيه للسلب والإزالة كجلّدت البعير إذا سلخت جلده وأزلته عنه . فيكون معنى التفريط الحقيقي عدم الاستعداد لما ينفع في المستقبل كتقديم الفرط . أي يا حسرتنا وغمنا وندمنا على ما كان من تفريطنا فيها أي في حياتنا الدنيا ، التي كنا نزعم أن لا حياة لنا بعدها ، أو في الساعة أو ما هي مفتاح له من الدار الآخرة وهي تشمل الجنة والنار ، وقد جعلهما بعضهم مرجعين مستقلين ، أي على تفريطنا في شأنها بعدم الاستعداد لها بالايمان والعمل الصالح ، وقيل إن الضمير للأعمال الصالحات المفهومة من كلمة « فَرَّطْنا » لان التقصير انما يكون في العمل . وقيل للصفقة المفهومة من كلمة « خَسِرَ » وهي بيعهم الآخرة بالدنيا . وهذا أضعف الأقوال ، وأقواها أولها ، وهو مروي عن ابن عباس ( رض ) ومن غرائب غفلات المفسرين ما نقله بعض أذكيائهم عن بعض من دعوى ان مرجع الضمير في هذا القول غير مذكور في كلامهم ، على كونه هو المذكور فيه دون سواه من المراجع الثلاثة الأخرى . ولكنهم ذهلوا عن قوله تعالى حكاية عنهم ( وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) الخ وعن كون ما بعده بيانا لعاقبته وما ترتب عليه لا سياقا جديدا مستقلا ، وأما الساعة فهي مذكورة فيما حكاه اللّه من شأنهم لا عنهم ، فكان عود الضمير عليها في المرتبة الثانية من القوة وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ الأوزار جمع وزر وهو بالكسر الحمل « تفسير القرآن الحكيم » « 46 » « الجزء السابع »